صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )

115

تفسير القرآن الكريم

فِيها فهو نعي لهم وبيان لكيفية تردّيهم إلى عالم البوار ، فإن أحد الداعيين المقتضيين إذا كان جبلّيا والآخر عرضيا اتفاقيا فلا محالة يغلب الأول على الثاني بالأخرة ، أو لا ترى ان عمّال الدنيا وأهل الحرف والمتوغلين في الشواغل الحسية كلما بلغوا إلى صحبة الخائضين في العلوم واستطابوا حالتهم واستنشقوا روائحهم وتهوّسوا الوصول إلى مرتبتهم والخروج من ظلمة الجهالة وضيق النقص وخسّة الرذالة إلى نور العلم وفسحة الكمال وشرف العرفان ، غلبت عليهم شقوتهم وقويت فيهم جواذب الطبيعة السفلية ، وأهبطهم ثقل الأوزار والأثقال والتعلقات مثل السلاسل والأغلال حتى توصلهم إلى أسفل درك الجحيم ، لاستيلاء الميل السفلي عليهم ، وقهر الملكوت الأرضي بسبب رسوخ الهيئات الذميمة . والآيات الدالة على أن أهل الحجاب الكلي والمتوغلين في الحسيات اضطروا إلى التردي والتقلب في النار كثيرة ، منها قوله تعالى : وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنَ النَّارِ [ 2 / 167 ] وقوله : إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذابِ يَوْمِ الْقِيامَةِ ما تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ [ 5 / 36 ] وقوله : يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَما هُمْ بِخارِجِينَ [ 5 / 37 ] وقوله : أُولئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ [ 5 / 41 ] وقوله : وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلى عَذابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ [ 2 / 126 ] . والسبب العقلي فيه إن الجحيم الأخروي من جنس هذه الدار ، فكل من غلب عليه جهة الحس والمحسوسات ولم يصدق بوجود عالم آخر ضميرا واعتقادا وإن أقرّ به قولا ولسانا ، وليس له رتبة الوصول إلى حقائق الايمان ، ولا العمل بمقتضاه والسلوك على وفق مؤداه ولا يخرج طير روحه أبدا من قفص هذا العالم ، فمآله إلى الجحيم وله عذاب مقيم .